كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وخشيت بمعنى: علمت. قال عز وجل: {فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80]، أي علمنا. وفي قراءة أبيّ: {فخاف ربك}.
ومثله: {إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229]. وقوله: {فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} [البقرة: 182]، أي علم.
وقوله: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51]، لأنّ في الخشية والمخافة طرفا من العلم.
ورجوت بمعنى: خفت. قال اللّه سبحانه: {ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا} (13) [نوح: 13]، أي: لا تخافون للّه عظمته، لأن الرّاجي ليس بمستيقن، ومعه طرف من المخافة.
قال الهذلي:
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ** وحالفها في بيت نوب عوامل

أي: لم يخفها.
و(يئست) بمعنى: (علمت) من قول اللّه تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد: 31]، لأنّ في علمك الشيء وتيقّنك له يأسك من غيره.
قال لبيد:
حتّى إذا يئس الرّماة فأرسلوا ** غضفا دواجن قافلا أعصامها

أي: علموا ما ظهر لهم فيئسوا من غيره.
وقال آخر:
أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني ** ألم تيئسوا أنّي ابن فارس زهدم

أي: ألم تعلموا.
ومن المقلوب: أن يقدّم ما يوضّحه التأخير، ويؤخّر ما يوضحه التقديم.
كقول اللّه تعالى: {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47]، أي مخلف رسله وعده، لأنّ الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرّسل، فتقول: أخلفت الوعد، وأخلفت الرّسل، وكذلك قوله سبحانه: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ} [الشعراء: 77] أي: فإنّي عدوّ لهم، لأنّ كل من عاديته عاداك.
وكذلك قوله: {ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] أي: تدلى فدنا، لأنّه تدلّى للدّنوّ، ودنا بالتّدلّي.
ومنه قوله سبحانه: {بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها.
قال الشاعر:
ترى الثّور فيها مدخل الظلّ رأسه ** وسائره باد إلى الشمس أجمع

أراد (مدخل رأسه الظلّ) فقلب، لأن الظلّ التبس برأسه فصار كل واحد منهما داخلا في صاحبه. والعرب تقول: (اعرض النّاقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه.
وقال الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسك ** على رغمه ما أمسك الحبل حافره

وكان الوجه أن يقول: (ما أمسك حافره الحبل) فقلب، لأنّ ما أمسكته فقد أمسكك، والحافر ممسك للحبل لا يفارقه ما دام به مربوطا، والحبل ممسك للحافر.
وقال الأخطل:
على العيارات هدّاجون قد بلغت ** نجران أو بلغت سوآتهم هجر

وكان الوجه أن يقول: (سوآتهم- بالرفع- نجران وهجر) فقلب، لأن ما بلغته فقد بلغك.
قال اللّه تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} [آل عمران: 40] أي بلغته.
وقال آخر:
قد سالم الحيات منه القدما ** الأفعوان والشجاع الشّجعما

(فنصب) الأفعوان والشجاع، وكان الوجه أن يرفعهما، لأن ما حالفته فقد حالفك، فهما فاعلان ومفعولان.
وقال الشمّاخ يذكر أباه:
منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ** لمّا كما عصب العلباء بالعود

وكان الوجه أن يقول: (كما عصب العود بالعلباء) فقلب، لأنك قد تقول: عصبت العباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء.
وقال ذو الرّمّة:
وتكسو المجنّ الرّخو خصرا كأنه ** إهان ذوى عن صفرة فهو أخلق

وكان الوجه أن يقول: (وتكسو الخصر مجنا) فقلب، لأنّ كسوت يقع على الثوب، وعلى الخصر، وعلى القميص ولابسه، تقول: كسوت الثوب عبد اللّه، وكسوت عبد اللّه الثوب.
وقال أبو النّجم:
قبل دنوّ الأفق من جوزائه

وكان الوجه أن يقول: (قبل دنوّ الجوزاء من الأفق) فقلب، لأن كل شيء دنا منك فقد دنوت منه.
وقال الرّاعي يصف ثورا:
فصبّحته كلاب الغوث يوسدها ** مستوضحون يرون العين كالأثر

وكان الوجه أن يقول: (يرون الأثر كالعين) لعلمهم بالصيد وآثاره فقلب، لأنهم إذا رأوا الأثر كالعين، فقد رأوا العين كالأثر.
وقال النابغة:
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ** على وعل في ذي المطارة عاقل

وكان الوجه أن يقول: (حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي) فقلب، لأن المخافتين استوتا.
وقال رؤبة بن العجّاج:
ومهمه مغبرّة أرجاؤه ** كأنّ لون أرضه سماؤه

وكان الوجه أن يقول: (كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه) فقلب، لأن اللونين استويا.
وقال الآخر:
وصار الجمر مثل ترابها

أي صار ترابها مثل الجمر.
وقال عز وجل: {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] أي خلق العجل من الإنسان، يعني العجلة. كذلك قال أبو عبيدة.
ومن المقلوب ما قلب على الغلط:
كقول خداش بن زهير:
وتركب خيل لا هوادة بينها ** وتعصى الرّماح بالضّياطرة الحمر

ومنه قول الآخر:
أسلمته في دمشق كما ** أسلمت وحشيّة وهقا

أراد: (كما أسلم وحشية وهق) فقلب على الغلط.
وقال آخر:
كانت فريضة ما تقول كما ** كان الزّناء فريضة الرجم

أراد (كما كان الرجم فريضة الزنى).
وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول اللّه تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً} [البقرة: 171] إلى مثل هذا في القلب، ويقول: وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام، والمعنى للمنعوق به وهو الغنم. وكذلك قوله سبحانه: {ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76] أي: تنهض بها وهي مثقلة.
وقال آخر في قوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] أي: وإن حبّه للخير لشديد.
وفي قوله سبحانه: {وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا} [الفرقان: 74] أي: اجعل المتّقين لنا إماما في الخير.
وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب اللّه عزّ وجلّ لو لم يجد له مذهبا، لأنّ الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت.
فمن ذلك قول لبيد:
نحن بنو أمّ البنين الأربعة

قال ابن الكلبي: هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة.
وقال آخر يصف إبلا:
صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب ** يحملن عبّاس بن عبد المطّلب

أراد: (عبد اللّه بن عباس) فذكر أباه مكانه.
وقال الصّلتان:
أرى الخطفي بذّ الفرزدق شعره ** ولكنّ خيرا من كليب مجاشع

أراد: أرى جريرا بذ الفرزدق شعره فلم يمكنه فذكر جدّه.
وقال ذو الرّمة:
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما ** قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر

قال ابن الكلبي: هو (يزيد بن هوبر) فاضطرّ.
وقال (أوس):
فهل لكم فيها إليّ فإنّني ** طبيب بما أعيا النّطاسيّ حذيما

أراد: (ابن حذيم) وهو طبيب كان في الجاهلية:
وقال ابن ميّادة وذكر بعيرا:
كأنّ حيث تلتقي منه المحل ** من جانبيه وعلين ووعل

أراد: وعلين من كل جانب، فلم يمكنه فقال: ووعل.
وقال أبو النجم:
ظلّت وورد صادق من بالها ** وظلّ يوفي الأكم ابن خالها

أراد: فحلها: فجعله ابن خالها.
وقال آخر:
مثل النصارى قتلوا المسيح أراد: اليهود:
وقال آخر:
ومحور أخلص من ماء اليلب

واليلب: سيور تجعل تحت البيض، فتوهّمه حديدا.
وقال رؤبة:
أو فضّة أو ذهب كبريت

وقال أبو النجم:
كلمعة البرق ببرق خلّبه أراد: بخلّب برقه، فقلب.
وقال آخر:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ** إن لم يجد يوما على من يتّكل

أراد: إن لم يجد يوما من يتكل عليه.
في أشباه لهذا كثيرة يطول باستقصائها الكتاب.
واللّه تعالى لا يغلط ولا يضطرّ، وإنما أراد: ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 171]، وحذف ومثلنا، لأنّ الكلام يدل عليه. ومثل هذا كثير في الاختصار.
قال الفراء:
أراد: ومثل واعظ الذين كفروا، فحذف، كما قال: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها} [يوسف: 82]، أي: أهلها.
قال الفراء أنشدني بعض العرب:
حتى إذا ما التأمت مفاصله ** وناء في شقّ الشّمال كاهله

يريد: أنه لما أخذ القوس ونزع، مال عليها.
قال: ونرى قولهم: (ما ساءك وناءك)، من هذا. وكان الأصل (أناءك) فألقي الألف لما اتبعه (ساءك) كما قالوا: (هنأني ومرأني)، فاتبع مرأني هنأني. ولو أفرد لقال: أمرأني.
وأراد بقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، أي: وإنه لحبّ المال لبخيل، والشدة: البخل هاهنا، يقال: رجل شديد ومتشدّد.
وقوله سبحانه: {وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا} [الفرقان: 74]، يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: {وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة: 24]، أي: قادة، كذلك قال المفسّرون.
وروي عن بعض خيار السلف: أنه كان يدعو اللّه أن يحتمل عنه الحديث، فحمل عنه.
وقال بعض المفسرين في قوله: {وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا} [الفرقان: 74]، أي: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يقتدي بنا من بعدنا. فهم على هذا التأويل متّبعون ومتّبعون. ومن المقدّم والمؤخّر قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا} [الكهف: 1، 2] أراد: أنزل الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا.
وقوله: {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ} [هود: 71]، أي: بشرناها بإسحاق فضحكت.
وقوله: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها} [الشمس: 14]، أي: فعقروها فكذّبوه بالعقر.
قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته ** تقضّي لبانات ويسأم سائم

أراد: لقد كان في ثواء حول ثويته.
وقال ذو الرّمّة يصف الدّار:
فأضحت مباديها قفارا رسومها ** كأن لم سوى أهل من الوحش توهل

أراد: كأن توهل سوى أهل من الوحش.
وقد كان بعض القراءة يقرأ: {وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ} [الأنعام: 137]، أي: قتل شركائهم أولادهم.
ومن المقدّم والمؤخّر قوله سبحانه: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ} [التوبة: 55].
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: أراد: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، إنما يريد اللّه أن يعذّبهم في الآخرة.
ومنه قوله سبحانه: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه: 129]، أي: ولولا كلمة سبقت وأجل مسمّى، لكان العذاب لزاما.
ومنه قوله سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، أراد: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته، لاتبعتم الشيطان.
قال الشاعر:
فاوردتها ماء كأنّ جمامه ** من الأجنّ حناء معا وصبيب

أي: فأوردتها ماء كأنّ جمامه حنّاء وصبيب معا. اهـ.